|
|
|
|
|
مكافأة أصحاب الحسابات الجارية في المصارف الإسلامية
د. التجانى عبد القادر أحمدرئيس اللجنة الاستشارية العليا للصكوك الحكومية - وزارة المالية |
|
يتيح الحساب الجاري لعملاء المصارف إيداع أموالهم وحفظها مع إمكانية سحبها لاستخدامها عند الحاجة إليها . بجانب دفع التزاماتهم عن طريق إصدار شيكات مصرفية خصماً على أرصدتهم الدائنة في هذه الحسابات . لذلك لاقى الحساب الجاري قبولاً ومزيد اهتمام من العملاء ، بل إن التعامل من خلال الحساب الجاري أصبح في كثير من البلدان سمة بارزة للمجتمع .وقلما نجد شخصاً فيها لا يحتفظ بحساب جارٍ في أحد المصارف .
وفرت الحسابات الجارية للمصارف التجارية أموالاً ضخمة قامت هذه المصارف باستثمارها وتحقيق أرباح طائلة منها لصالح ملاك هذه المصارف ، وهؤلاء شريحة صغيرة في المجتمع ، مما أثار تساؤلات كثيرة حول أحقيتهم لهذه الأرباح كلها وحرمان أصحاب هذه الأموال من أرباحها .
هل تأخذ الحسابات الجارية حكم القرض ؟
تبنت المصارف التجارية والإسلامية في البلدان المسلمة نظام الحسابات الجارية مما أثار تلك التساؤلات حول إمكانية إشراك أصحابها في الأرباح المتحققة . ولم تلق هذه الفكرة قبولاً كبيراً ، حيث إن بعض المقترحات تكتنفها محاذير شرعية . كما أن التخريج القانوني عد الحسابات الجارية في حكم القرض لأن المصرف ضامن لأصل المال وهو ملزم بإعادته إلى صاحبه متى ما طلبه ، لذلك جاز للمصرف الربح المتحقق حيث إن الخراج بالضمان والغنم بالغرم ، بناء على القاعدة الشرعية المقررة . غير أن هذا التخريج يؤخذ عليه:
1. إن نية العميل عند فتح الحساب الجاري هي إيداع أمواله فيه وحفظها وليس إقراض المصرف . 2. إن الضمان الذي يقدمه المصرف ضمان نظري ومتوهم ، يشهد على ذلك حالات الإفلاس التي تقع ولا تضمن المصارف فيها أموال الحسابات الجارية ، وإن أعطيت الأولوية لأصحابها في أصول المصرف .ولا غرو أن الدائن في حالات إفلاس الأشخاص الطبيعيين هو أسوة الغرماء ، ولكن الوضع في حالة الأشخاص المعنويين قد يختلف ، وبالأخص في حالات إهمال أو سوء تصرف الموظفين . 3. تتحقق في كثير من الأحيان ، فوائد إضافية لصاحب الحساب الجاري ، ويتكلف المصرف عليها أموالاً مثل إصدار دفاتر الشيكات وبطاقات الصرف الآلي والتي قد تعطى مجاناً إلى أصحاب الحسابات الجارية . وهذا يؤدى إلى انطباق قاعدة : كل قرض جر نفعاً فهو ربا ، على الحسابات الجارية إذا سلمنا بتخريجها على أنها قرض من صاحب الحساب للمصرف .
مكأفاة أصحاب الحسابات الجارية : تقوم الفكرة على تبنى عقد المضاربة الناقص حيث يقوم المصرف بدور المضارب مع تبرعه بضمان رأس المال . فإذا تحققت أرباح قام المصرف باقتسامها مع صاحب الحساب الجاري والذي يكون هو رب المال في هذه العلاقة المقترحة . ويقع الاقتسام بحسب النسب المتفق عليها مسبقاً . أما إذا تكبد المصرف خسارة قام هو وحده بتحملها متبرعاً بذلك مع التزامه بإرجاع كامل المبالغ إلى أصحاب الحسابات الجارية والتي تمثل أرصدتهم في المصرف . ولا يستدعى هذا المقترح أي تغييرات في نظام الحساب الجاري بحسب ما هو قائم الآن في المصارف التجارية . فيقوم العميل بإيداع ماله في المصرف وله الحق في الإضافة إليه والسحب منه كما هو متبع . أما المصرف فسيقوم باستثمار هذه الأموال بعد استبعاد كل الاحتياطيات المطلوبة مثل الاحتياطات القانونية واحتياطات مقابلة سحوبات العملاء ، بصفته مضارباً . ويحسب الربح ويوزع طبقاً لنظام النمر المعروف في التطبيق المصرفي .
دواعي المقترح : (1) القوانين السائدة ولوائح المصارف المركزية تمنع في كثير من البلدان العربية والمسلمة تعريض أموال المودعين ( الحسابات الجارية ) إلى مخاطر الاستثمار وتحميلها أعبائه ، مما لا يمكن معه تبنى عقد المضاربة وتحميل رب المال ( صاحب الحساب الجاري ) الخسارة حال تحققها من غير تعد أو تقصير من المضارب . (2) ضخامة الأموال التي تجذبها الحسابات الجارية والأرباح الطائلة التي تتحقق منها ، وهذا يؤدى إلى : أ) تركيز الثروة ، حيث إن هذه الأرباح تعود على شريحة صغيرة في المجتمع هم أرباب هذه المصارف والجدير بالذكر أن موضوع تركيز الثروة هو أحد أقوى المبررات التي ساقها الاقتصاديون المسلمون ضد الربا وعدوها من لعناته . ب) حجب عدم الكفاءة التي تعانى منها بعض المصارف ، والتي تغطيها الأرباح المتحققة من هذه الأموال الضخمة وهى أموال من غير تكلفة . ت) تحفيز العملاء ، حيث إن أصحاب الأموال لا يعود عليهم شئ من ريعها وربحها ، بل تذهب جميعها إلى المصرف . ولا شك أن لهذا التحفيز أثره الحسن على المودعين ورفع الغبن عنهم . (3) استعداد المصارف للتبرع بالضمان لرغبتها في جذب الودائع وتشجيع أصحابها مع حسن استخدامها ومقدرتها على تشتيت مخاطر الاستثمار مع تنويع استثماراتها واستخدام أساليب استثمارية تضمن تحقيق عوائد إيجابية .
المضاربة مع تبرع المضارب بضمان رأس المال : لا خلاف بين المسلمين في جواز المضاربة وإنها مستثناة من الإجارة المجهولة ، وأن الرخصة فيها إنما هي لموضع الرفق بالناس . والمعلوم أيضاً أن المضاربة من العقود التي كانت في الجاهلية فأقرها الإسلام . وقد اختلف الفقهاء في حكم اشتراط رب المال الضمان على العامل ، فقد منعه مالك والشافعي وقال أبو حنيفة القراض جائز والشرط باطل . والملاحظ أن المنع كان بسبب زيادة الغرر ( أبن رشد ــ بداية المجتهد ص 589 ) وليس لشبهة الربا . والملاحظة الثانية المهمة هي أن الحديث ينصب فيما إذا اشترط رب المال الضمان على العامل . أما إذا الزم المضارب نفسه بضمان رأس المال فهذا لم يتطرق إليه الحكم إلا أن يفهم منعه بمفهوم المخالفة. وتبرع المضارب بالضمان والزام نفسه به ، يختلف عن اشتراط رب المال الضمان ، لما يلازم الأخير من ظلم يكتنف العملية عندئذٍ . واختلاف الحكم باختلاف المشترط ( المضارب أو رب المال ) معتبر ويعتد به الفقهاء ( أنظر ـ المرجع السابق ، ص 590). وتبرع المضارب بالضمان قد يعود إلى ثقته بنفسه وإمكانياته ومقدرته على الاستثمار بحيث لا يحقق أية خسارة بل ربما وثق من تحقيق الربح . ومعلوم أن تشتيت المخاطر وتنوع الاستثمارات أو تبنى نوع معين من الاستثمار كبيع المرابحة للمؤسسات المليئة ذات التصنيف العالي مع أخذ ضمانات قوية تكفل استرداد دين المرابحة ، كل ذلك قد يجعل المضارب ( المصرف ) واثقاً من نفسه مما يجعله مستعداً لضمان رأسمال المضاربة بغرض جذب الأموال من العملاء وزيادة ربحه . لذلك ، فربما اختلف الحكم في حالة تبرع المضارب بالضمان ، لحقه في ذلك ولانتفاء الجور الذي يقع في حالة اشتراط رب المال ذلك .
هل يقلب ضمان رأس المال عقد المضاربة ؟ هنالك نظر فقهي يرى أن التبرع المقترح بضمان المضارب لرأس المال هو في الحقيقة شرط ، وبذلك فإن عقد المضاربة ينقلب إلى قرض مما يؤدى إلى عدم جواز العملية ، ويصبح العائد الذي يأخذه رب المال شبيه بالفائدة المحرمة . تجدر الإشارة إلى أن النظر الفقهي المالكي لا يقلب عقد المضاربة إلى قرض في حالة اشتراط الضمان حتى ولو اشترط ضمان رأس المال رب المال . وذلك لأن الضمان وان بدأ وكأنه زيادة ازدادها رب المال إلا أنها زيادة كاللغو غير معتبرة حيث إنها أمر كان في المال ومنفعته ليست خارجة عن المال . جاء في المدونة : "وقال مالك في الذي يعطى المال قراضاً لرجل على أن يسلفه رب المال سلفاً ، قال مالك فللعامل أجر مثله وجميع الربح لرب المال ( قال ) وسألت مالكاً عن الرجل يدفع إلى الرجل مالاً قراضاً على أن العامل ضامن للمال (قال) مالك يرد على قراض مثله ولا ضمان عليه ( قال ) وكذلك إن أعطى مالاً قراضاً إلى سنة رد فيه أيضاً إلى قراض مثله ( قلت ) لم قال مالك إذا كان فى القراض شرط سلف أنه يرد إلى إجارة مثله وقال فى القراض إذا اشترط على العامل الضمان انه يرد إلى قراض مثله وقال ذلك أيضاً إذا كان إلى أجل سنة أنه يرد إلى قراض مثله فما فرق بينهما قال في بعض يرد إلى قراض مثله وفى بعضه إلى إجارة مثله ( قال ) لأن سلفه زيادة ازدادها أحدهما في القراض ولأن الأجل في القراض لم يزدده فرد إلى قراض مثله والضمان أمر قد ازداده ولكنه إنما كان في المال لم تكن منفعته خارجة منه في ربح ولا سلف فحمل على سنة القراض وفسخ عنهما ما اشترطا في ذلك من غير سنته ورد إلى قراض مثلهما ممن لا ضمان عليه كما يرد من شرط الضمان وهذا وجه ما استحسنت مما سمعت من مالك " ( مالك بن أنس ، المدونة ، ص 58 ، ج 4 ). وكذلك جاء في جواهر الإكليل : " إذا شرط رب المال على المضارب ضمان رأس المال فلا يجوز وان وقع وعمل فله قراض مثله" (الآبى الأزهري ، جواهر الإكليل ، ص 172 ، ج 2 ) , والملاحظ أن المالكية وان منعوا اشتراط الضمان إلا أنهم عللوا ذلك بزيادة الغرر." وعمدة مالك : إن اشتراط الضمان زيادة غرر في القراض ففسد ". ( ابن رشد ، مرجع سابق ، ص 589 ). ولا ينقلب عقد المضاربة باشتراط الضمان إلى قرض وإن انقلب عند اشتراط السلف إلى إجارة . ثم إن اشتراط الضمان الذي لا يقلب العقد إلى قرض ليس هو الضمان المشروط بعد عقد المضاربة وإنما هو الضمان المشروط عند العقد ، وعبارة جواهر الإكليل المنوه إليها أعلاه واضحة في ذلك .
شبهة الفائدة المحرمة : إدعاء أن العائد الذي يحققه رب المال من المضاربة يشبه الفائدة الربوية في حالة تبرع المصرف بضمان رأس المال ، إدعاء غير سليم ، فالمعلوم أن الفائدة الربوية تلازم القرض وهى زيادة مشروطة على أصل القرض تدفع في كل الأحوال مع أصل القرض. أما العائد هنا فهو ــ وإن كان سيدفعه المصرف إلى صاحب الحساب ــ مرهون بما يحقق من ربح . وقد لا يدفع المصرف شيئاً في حالات معينة هي حالات عدم تحقق الربح والخسارة . وبذلك فإن هذا العائد فارق الفائدة المصرفية التي تدفع في كل الأحوال ، وهنا يكمن الظلم الذي قد يقع على المقترض ولعله حكمة تحريم الفائدة الربوية . أما عندما يشارك العميل في الأرباح التى تحققها المضاربة بحسب الحصة المحددة له سلفاً ، وإن ضمن المضارب متبرعاً رأس المال ، فإن هذا لا يخرج من أن يعد نصيب رب المال في ربح المضاربة الذي تحقق من استخدام أمواله . وتبرع المضارب بالضمان لا يأتى من فراغ ، فهو أن فعل ذلك فإنما يفعله لاطمئنانه إلى أساليب وطرق استثماره ، وتوزيعه للمخاطر بشكل يجعل المحصلة النهائية هي دائماً موجبة .
عقد المضاربة والواقع المعاصر : وكما جرت الإشارة سابقاً فإن عقد المضاربة من العقود التي كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام ، والأحكام الفقهية الواقعة عليه مستنبطة من الأعراف والتقاليد والمعايير السائدة عندئذٍ ، ولعل ذلك سبب الاختلاف بين الفقهاء في شروط المضاربة ، حيث لا توجد نصوص قاطعة يقف عندها الفقهاء . فقد اختلف الفقهاء في حكم اشتراط رب المال على المضارب خصوص التصرف ، وتوقيت المضاربة ، واشتراط رب المال زكاة الربح على العامل في حصته من الربح . وكذلك اختلفوا كثيراً في نفقة المضارب هل هي من مال المضاربة أم لا ، وفيما إذا شرط العامل الربح كله ، فقد جوزه مالك وعده إحساناً فيما رفضه الشافعي وأبو حنيفة ... الخ .
هذه الاختلافات بين الفقهاء في الحكم على الأحوال التي تلازم عقد المضاربة قد تعود بشكل أساسي إلى رد هذه الشروط والأحوال إلى مقاصد الشريعة العامة من إحقاق العدل ، ومنع أكل أموال الناس بالباطل ، والغرر . واختلافهم ، في حقيقة الأمر ، يعود إلى اختلاف نظراتهم إلى ما يحقق ذلك بحسب بيئتهم ، والظروف السائدة حينئذٍ . فهل لنا إذا اختلف الزمان وتطورت الحياة وطرق الاستثمار وأساليبه ، تبنى شروط مختلفة ؟ كأن يتبرع المضارب بضمان رأسمال المضاربة ؟ وتجدر الإشارة إلى أن ما نقوله ليس بدعاً من القول فها هو ذا الإمام الشوكانى في كلام نفيس يرى أن يلزم الشخص بما يلزم به نفسه ، قال في معرض حديثه عن المضارب والوديع والوصى والوكيل والملتقط ، أنهم " إذا ضمنوا ضمنوا لأنهم قد اختاروا ذلك لانفسهم ، والتراضى هو المناط في تحليل أموال العباد ". ( السيل الجرار ، ص 217 ، ج3 ) والمعلوم أن التراضى في حالتنا هذه لا يؤدى إلى محظور شرعي.
وإذ جوز الإبضاع للمضارب بان يكون جميع الربح لرب المال ( الكاسانى ، بدائع الصنائع ، ص 120، ج5 ). وهذا تبرع من المضارب ، فكذلك لعله يجوز تبرع المضارب بضمان رأس مال المضاربة . والمعلوم أن على المضارب إذا اشترى بجميع مال المضاربة ثم احتاج أن يستأجر على حملها أو على قصارتها أن يفعل ذلك على حسابه ، ويعد متطوعاً في مال غيره ( المرجع السابق ، ص 127) . فإذا جاز له أن يتبرع بعمله وماله ويعد متطوعاً فلعله كذلك يجوز له أن يتبرع بضمان رأس مال المضاربة ويعد متطوعاً بذلك . وعلى رأى الشوكانى لأنه اختار ذلك لنفسه ، علماً بأنه لا يفعل ذلك إلا لأسباب ذكرنا بعضها . وبافتراض أن تبرع المضارب بالضمان عد شرطاً فإنه ينبني على ذلك فساد الشرط وبقاء المضاربة صحيحة (الكاسانى ، المرجع السابق ، ص119 ). وحيث إن المصارف تستثمر أموالها بما يكفل لها دائماً تحقيق ربح عن استثماراتها كما سبقت الإشارة إليه. فإن هذا الشرط وهو شرط تحميل المضارب الخسارة لا يعمل ، فتبقى المضاربة صحيحة.ويمكن أن يتم تبنى هذا التخريج في حالة الحكم بعدم جواز تبرع المضارب بالضمان . كذلك يمكن تبنى الرأي الفقهي الذي يجعل المضارب ضامناً للخسارة إذا دفع رأس مال المضاربة إلى مضارب آخر ( أبن رشد، مرجع سابق ، ص592). فهل يجوز بناءً على ذلك دفع المصارف أموال الحسابات لديها إلى من يعمل فيها ليتحقق هذا الضمان ؟ لتصير إلى : المضارب يضارب .
والواضح أن الحاجة إلى تضمين المضارب كانت طاغية والحاجة إليها ماسة مما حدا بالفقهاء إلى إيجاد الحيل يتبلغون بها إلى ذلك . ولعل ذلك لفساد الزمان وسعة الذمم ، مما يجعل أرباب المال يعزفون عن دفعه مضاربة إلا إذا توصلوا إلى طريقة تضمن لهم أموالهم . ويلاحظ في هذا المقام أننا لا نطالب بأن يشترط الضمان رب المال، وإنما يقوم المضارب بتقديم الضمان والتبرع به ، والفرق جد كبير بين الأمرين . ونعود إلى موضوع الحاجة التي جعلت الفقهاء يتبلغون في وضع الحيل لتحقيق الضمان . قال في البدائع ( ص121، ج5) : " ولو أراد رب المال أن يجعل المال مضموناً على المضارب فالحيلة في ذلك أن يقرض المال من المضارب ويشهد عليه ويسلمه إليه ثم يأخذ منه مضاربة بالنصف أو بالثلث ثم يدفعه إلى المستقرض فيستعين به في العمل ، حتى لو هلك في يده كان القرض عليه ، وإذا لم يهلك وربح يكون الربح بينهما على الشرط .
وحيلة أخرى : إن يقرض رب المال جميع المال من المضارب إلا درهماً واحداً ويسلمه إليه ويشهد على ذلك ، ثم إنهما يشتركان في ذلك شركة عنان على أن يكون رأس مال المقرض درهماً ورأس مال المستقرض جميع ما استقرض على أن يعملا جميعاً وشرطا أن يكون الربح بينهما ، ثم بعد ذلك يعمل المستقرض خاصة في المال ، فإن هلك المال في يده كان القرض على حاله ، ولو ربح فإن الربح بينهما على الشرط ".
وما نسعى إليه من هذه النقول بغض النظر عن الموافقة عليها أو رفضها هو تأكيد أن الحاجة إلى تقديم الضمان من أحد الطرفين كانت ضرورية ، مما جعل الفقهاء يسعون إلى إيجاد الحيل لتحقيقها .
والمشاهد الآن إلى التطور الكبير الذي حدث في أساليب الاستثمار وطرق القياس والحساب والأرباح الطائلة التى تجنيها المصارف من الودائع الجارية ومناداة السلطات الرقابية بالمحافظة على ودائع العملاء ، وهو أقل ما تستطيع تقديمه لهذه الشريحة من صغار المدخرين وغيرهم ، فهل لنا لكل هذه الأسباب مجتمعة أن ندعو إلى تبنى هذا النوع من الحسابات بأن تشرك هذه الحسابات في الأرباح المتحققة من جراء استخدامها واستثمارها، مع ملاحظة أن المصارف عندما تفعل ذلك تفعله وهى متبرعة به وملزمة نفسها به ، وهذا يشبه النذر الذي يلزم المسلم نفسه به وأن ترتبت بعض الأعباء الجسدية أو المالية عليه ، حيث ألزم نفسه ما لا يلزمها عادةً . وهذا يفارق الظلم الذي يقع إذا ما اشترط الضمان رب المال في المضاربة .
علماً بأن تبرع المصارف ( المضارب ) بجزء من حصتهم في الربح إلى أصحاب هذه الحسابات يصب في دائرة تشتيت الثروة وعدم تركيزها في أيادي قلة قليلة ، مما قد يؤدى إلى جعل المال دولة بين الأغنياء ، مع ملاحظة أن هذا التبرير هو من أقوى المبررات التي ساقها العلماء والباحثون في مجال الاقتصاد الإسلامي ، والمصرفية الإسلامية ضد الفائدة المصرفية ( أنظر على سبيل المثال : محمد تقي عثمان ، New horizon, pp 3-9 وعبد الرحمن يسرى أحمد ، المرجع السابق ، ص 12).
ويمكننا في هذا المقام أن نستأنس بمسألة الأجير المشترك انه يضمن ما تلف بيده . وقد روى عن سيدنا على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه كان يضمن الإجراء ويقول لا يصلح الناس إلا هذا . والأصل أن الأجير ( الخاص ) لا ضمان عليه ما لم يتعد . ( ابن قدامه ، المغنى ، ج6/ ص 105 - 9 ، أبن رشد مرجع سابق ، ص 584). وما يدعو إليه المقترح ليس هو شرط الضمان على المصارف وإنما هي التي تتبرع به وتبادر إليه وفيه صلاح الاقتصاد وعدم تركيز الثروة .
وإن لم يحقق هذا إلاَّ المقترح استثمار أموال هذه الحسابات الضخمة بطريقة إسلامية لكان هذا قمين بأخذه بعين الاعتبار والنظر فى إمكانية تبنيه .
خاتمة : قد يثور تساؤل مشروع هو : طالما أن المصرف مطمئن إلى تحقيق أرباح من مجمل استثماراته فما هو مبرر تقديم الضمان والخروج على شروط عقد المضاربة المعروفة ؟ فلماذا لا يتحمل رب المال الخسارة النظرية والتي هي في حكم العدم؟ والإجابة على هذا السؤال هي أن السلطات الرقابية والإشرافية في كثير من البلدان المسلمة والعربية تمنع المصارف التجارية من تعريض أموال المودعين إلى مخاطر الاستثمار . لذلك فإن المصارف لا تستطيع أن تقيم علاقتها مع أصحاب الحسابات الجارية على أساس عقد المضاربة بحيث يتحمل أصحاب هذه الحسابات فيها الخسارة بصفتهم رب المال . أما إذا تنازلت بعض السلطات الرقابية في بعض البلدان عن هذا القيد فتستطيع المصارف أن تتبنى عقد المضاربة مع تحميل رب المال الخسارة . أما البلدان التي يظل فيها هذا القيد نافذاً فيناسبها هذا المقترح وهو التبرع بالضمان ، والأمل معقود على أن يؤدى هذا المقترح إلى اطمئنان هذه السلطات لسلامة سبل الاستثمار في المصارف وحرصها على أموال المودعين مما يؤدى في النهاية ألي موافقتها على قبول هذه المصارف الحسابات الجارية على أساس عقد المضاربة من غير تبرع بالضمان .
وأود في نهاية هذا الموضوع الإشارة إلى أنه دعوة للحوار والمناقشة وتبادل وجهات النظر بغرض الوصول إلى رأى سليم حيال هذا الموضوع الحساس .
والله ولى التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل
الخلاصة : يخلص البحث إلى أن شرط دفع نصيب من الربح عن الحسابات المصرفية مع ضمانها يخرج على أنه عقد مضاربة التزم فيه المضارب بضمان رأس المال ويرى البحث جواز ذلك بسبب : 1. انتفاء شبهة الربا . 2. تبرع المضارب بالضمان يختلف عن اشتراط رب المال ضمان رأسماله وهذا ما ناقشه الفقهاء ومنعوه لما يلازمه من ظلم وإجحاف يقع على المضارب حينئذ . أما إذا ألزم المضارب نفسه بضمان رأس المال تبرعاً منه فمن الفقهاء من رأى جواز ذلك . 3. المعروف أن تبرع الإنسان أو التزامه بشيء لا يأتي من فراغ . والمصارف عندما تعطى هذا الضمان تعطيه وهى مطمئنة إلى أمان النشاط الذي تستثمر فيه المال ، لاستخدامها أساليب استثمارية ناجعة وفعالة مثل : أ) تشتيت المخاطر ب) تنويع الاستثمارات ت) استخدام بيع المرابحة بحيث يتم البيع إلى مؤسسات وشركات ذات تصنيف ائتماني عال ، مع أخذ ضمانات ذات سيولة عالية مثل الضمانات القوية والحسابات المصرفية . 4. فكرة تبرع المضارب ليست جديدة على الفقه ، فقد يحكم على المضارب بالإنفاق من ماله وجهده إذا استهلك جميع رأسمال المضاربة في الشراء واحتاج إلى النقل أو الحفظ ويعد متبرعاً في مال غيره . وكذلك إذا جاز الابضاع حيث يذهب جميع ربح المضاربة إلى رب المال وهذا تبرع من المضارب ، فهل يجوز تبرع المضارب بالضمان ؟ 5. حكم الفقهاء على بعض صور المضاربة بضمان المضارب لرأس المال إذا دفع به إلى مضارب آخر في حالة الخسران . 6. يعد تبرع المضارب بالضمان شرطاً فاسداً ــ عند الأحناف ــ وحيث أن المصارف التجارية تستثمر أموالها بطرق تحقق أرباحاً دائماً ، كما سبقت الإشارة إليه فإن الشرط لا يعمل وتبقى المضاربة صحيحة . 7. يمكن الاستئناس بالحكم على الأجير المشترك والصناع بالضمان مع أن الأصل غير ذلك . قال مالك : إنما يضمن الصناع ما دفع إليهم مما يستعملون على وجه الحاجة إلى أعمالهم وليس ذلك على وجه الاختبار لهم والأمانة . ولو كان ذلك إلى أماناتهم لهلكت أموال الناس وضاعت قبلهم واجترؤا على أخذها ولو تركوها لم يجدوا مستعتباً ولم يجدوا غيرهم ولا أحد يعمل تلك الأعمال غيرهم فضمنوا ذلك لمصلحة الناس ( المدونة ج/3) . وقد روى أن الخليفة الرابع على بن أبى طالب رضى الله عنه كان يضمن الإجراء ، ويقول لا يصلح الناس إلا هذا . والأصل أن الأجير لا ضمان عليه ما لم يتعد .
المراجع : مراجع عربية: ابن أنس ، مالك : المدونة الكبرى ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان ، د. ت.ن. الشواكانى ، محمد بن على : السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار ، دار الكتب العلمية ، بيروت ــ لبنان ، د.ت.ن. ابن رشد ، محمد بن أحمد : بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، دار ابن حزم ، بيروت ــ لبنان ، الطبعة الأولى ، 1420هـ (1999م) الآبى الأزهري ، صالح عبد السميع : جواهر الإكليل شرح العلامة خليل في مذهب الإمام مالك ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان ، د.ت.ن. الكاسانى ، علاء الدين أبى بكر بن مسعود : بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع ، دار إحياء التراث العربى ، بيروت ــ لبنان ، د.ت.ن. ابن حزم ، أبو محمد على بن أحمد : المحلى بالآثار ، دار الفكر ، بيروت ، د.ت.ن. ابن قدامه ، موفق الدين ابن محمد ، المغنى مع الشرح الكبير ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، د.ت.ن. مراجع أجنبية : Usmani, M. Taqi: Adverse Effects of Interest on Society, New Horizon, May - June 2001, Institute of Islamic Banking and Insurance, London, PP 3 -9. Ahmed Abdel Rahman Yousri: Riba, It's Economics Rationale and Implications, Ibid, P. 12.
|