المحتويات


العلاقة بين تكلفة التمويل ومعدلات التضخم

في السودان للفترة 1992- 2001

بدرالدين حسين جبر الله - الادارة العامة للبحوث الاقتصادية

1/ مقدمة:-

 

شهد الاقتصاد السوداني خلال فترة التسعينات تغييرات أساسية من ناحية السياسات الاقتصادية الكلية التي تم تطبيقها ، فالتغيرات الهيكلية التي تمت في إطار السياسات الكلية أحدثت تطورات وتحولات كبيرة في القطاع النقدي وكما هو معلوم فان الفترة 1990 1995 تميزت باختلالات هيكلية داخلية وخارجية في البنيان الاقتصادي في كل من جانبي العرض والطلب الكلى، فداخلياً تمثلت الاختلالات في عجز الموازنة العامة وارتفاع معدلات التضخم ، وخارجياً تمثلت في عجز الحساب الجاري بميزان المدفوعات ومشاكل انسياب روؤس الأموال الأجنبية مما انعكس سلباً على سعر صرف العملة المحلية وزيادة الفجوة بين سعر الصرف في السوق الرسمي و سعر الصرف في السوق الموازى.

 

ومن الثابت فان ارتفاع معدلات التضخم بوتيرة متصاعدة له مدلولات وقراءات محددة وانعكاسات على المؤشرات الاقتصادية الكلية الأخرى بل على أداء القطاع المصرفي وخاصة على تكلفة التمويل المصرفي ولما لتكلفة التمويل من أهمية في كونها تعتبر مؤشراً للمستثمر في لجوءه للجهاز المصرفي لتغطية العجز الذي يواجهه في تمويل مشروعاته ، وهى كذلك تؤخذ بعين الاعتبار من جانب المصارف التي تبنى عليها كأساس لارضاء مودعيها " أصحاب الودائع الاستثمارية + الادخارية من جانب وتغطية تكاليفها المرتبطة بإدارة العمليات الاستثمارية من الجانب الآخر وكذلك تحقيق أرباح لاصحاب رأس المال" المؤسسين " وللقيام بهذه الوظيفة تعمل المصارف في جانبي العرض والطلب، ففي جانب العرض تسعى البنوك لجذب المدخرات من الجمهور والشركات والمؤسسات العامة والخاصة وذلك من خلال نشر تعريفتها للخدمات المصرفية متضمنة العائد على ودائع الاستثمار المحققة في الماضي القريب والمتوقعة للفترة القادمة.

 

أما في جانب الطلب فتعمل البنوك على استغلال مواردها المتاحة لتمويل القطاعات الاقتصادية المختلفة لخدمة أهداف الاقتصاد الكلى كهدف تفرضه عليها السياسات التمويلية للبنك المركزي ، وتحقيق الربحية كهدف خاص للمصرف المعنى وذلك من خلال نشر استراتيجيتها التسويقية متضمنة تكلفة التمويل.

 

ولما لتكلفة التمويل من أهمية فيما ذكرنا آنفاً ستحاول هذه الدراسة التحقق من اتجاه وقوة العلاقة بين معدلات التضخم و تكلفة التمويل وتوضيح الأسباب التي يمكن أن تؤثر على تكلفة التمويل ومدى استجابتها للتغيرات في معدلات التضخم وذلك خلال الفترة (1992 2001).

 

2/ التضخم (1992 2001):

 

يعرف التضخم بالارتفاع العام والمستمر فى الأسعار ولا يعنى ذلك ان الارتفاع يكون فى كل الأسعار إذ أن بعضها قد ينخفض وانما الاتجاه العام يجب ان يكون تصاعدياُ، وارتفاع الأسعار يجب ان يكون مستمراً وان يستبعد ارتفاع الأسعار لمرة واحدة فقط من تعريف التضخم والسبب فى ذلك يتعلق بالسياسة ، فإذا زاد السعر لمرة واحدة فقط فلا ضرورة هنالك لعمل سياسة فاذا انقضت فترة التكييف فان الأسعار تتوقف عن الزيادة وتصبح السياسات التى وضعت لوقف الزيادة فى الأسعار غير مطلوبة وعلى العكس ففى ظل التضخم تتزايد الأسعار بصورة غير محددة.

 

تختلف آثار التضخم او نتائجه باختلاف ما إذا كان التضخم متوقعاً anticipated او غير متوقع unanticipated ، ففى ظل التضخم غير المتوقع تحدث اعادة توزيع الدخل الحقيقى فيكسب بعض الافراد ويخسر آخرون فمثلاً إذا زادت منافع الضمان الاجتماعى والمعاشات بسرعة اقل من الأسعار فان الدخل الحقيقى لكبار السن ينخفض كما فى هذه الحالة يعاد توزيع الثروة بين اولئك الذين ترتفع أسعار أصولهم بسرعة اقل الى أولئك الذين ترتفع أسعار أصولهم بسرعة اكبر،واخيراً فانه مع التضخم غير المتوقع يعاد توزيع الثروة بين الدائنيين الى المدينيين .أما فى حالة التضخم المتوقع تكون اعادة توزيع الثروة عند حدها الادنى. هذا وهنالك آثار اخرى للتضخم على الاقتصاد كما ان هنالك نظريات و سياسات لمعالجة الانواع المختلفة من التضخم1

 

للنظر فى اتجاه معدلات التضخم فى الفترة (1992 2001) وحسب ما هو موضح فى الجدول رقم (1) ادناه نلاحظ

 

جدول رقم (1)

معدلات التضخم

(1992 2001)

الوسط الهندسي

المتوسط

العام

118.7

117.7

1992

99.3

98.3

1993

115.7

115.4

1994

69.0

68.4

1995

130.3

132.7

1996

46.5

46.7

1997

17.7

17.1

1998

16.1

16.0

1999

8.1

8.0

2000

4.9

4.9

2001

                                                      المصدر: التقارير السنوية لبنك السودان

 

ان اتجاه معدلات التضخم متأرجح بين الارتفاع والانخفاض وذلك خلال الأعوام 1992 و 1993 و 1994 و1995 ويعزى هذا التأرجح الى التحولات الكبيرة والسريعة فى السياسات الاقتصادية الكلية التى شهدتها تلك الفترة وانعكاساتها وإفرازاتها المختلفة وبالتالى كانت استجابة القطاعات المختلفة متذبذبة. خلال الفترة (1996-2001) أخذت معدلات التضخم فى الانخفاض المتتالي حتى وصلت الى رقم صحيح واحد (Single- Digit inflation) بنهاية ديسمبر 2000 و 2001 و يعود ذلك أساسا للدخول فى برامج الإصلاح المالى والنقدى والتخطيط المسبق للبرامج الاقتصادية طويلة وقصيرة المدى بجانب التنسيق الكبير الذى شهدته السياسات الاقتصادية الكلية بشقيها المالى منها والنقدى.

 

الجدول يعكس أرقام معدلات التضخم كمتوسط وكوسط هندسى والملاحظ انه ليس هنالك فرق بين أرقام المقياسين على الأقل فى الاتجاه العام للمتغير ( التضخم).

 

أما الفروقات فى الأرقام فتعزى لتأثر أرقام المتوسط بالأرقام المتطرفة خلال العام المعنى و ميزة الوسط الهندسى كمقياس احصائى انه لا يتأثر بالارقام المتطرفة.

 

(3) تكلفة التمويل (1999 2001):-

 

تسعى البنوك لتعظيم ربحيتها من خلال تعظيم العائد على التمويل المصرفى وذلك لان العائد على التمويل يعتبر أحد المكونات الاساسية لربحية البنوك السودانية وبالطبع إضافة الى مكونات الربحية الأخرى من عمولات ورسوم خدمات مصرفية والعائد على الأوراق المالية .. الخ.

 

منذ انتهاج النظام المصرفى الاسلامى فى عام 1984 وحتى عام 1994 ظلت البنوك تحدد هوامش أرباح المرابحات بالنسبة لها حسب العرض والطلب على التمويل المصرفى دون تدخل البنك المركزى فى عملية تحديد الهوامش، ولكن بعد الغاء السقوف التمويلية الكلية فى يوليو 1994م اصبحت لا توجد للبنك المركزى آلية مباشرة للتأثير فى الطلب على التمويل المصرفى فأهتدى بنك السودان الى هوامش أرباح المرابحات كأداة للتأثير على طلب التمويل المصرفى.

 

توجد عادةً ثلاثة أنماط لتحديد هوامش أرباح المرابحات وهى نظام السقف Ceiling ، نظام القاع Floor ونظام النطاق Span ، ولكل نظام بالطبع ميزاته الحسنة بجانب بعض المساوىء ، فمثلاً نظام السقف يحول دون تمام عمليات المزاودة فى تحديد هوامش ارباح غير حقيقية لكنه فى نفس الوقت يتعارض مع سياسات التحرير الاقتصادى ، أما نظام القاع يمنع روح التآمر على النزول بمعدلات هوامش الأرباح الى مستويات غير معقولة تعرض البنوك المتآمر عليها الى خسائر مالية كما انه يتماشى مع سياسات التحرير الاقتصادى غير انه يؤخذ عليه وجود الحرية المطلقة فى رفع هوامش الارباح مما قد يقود الى ارتفاع تكلفة التمويل وما يترتب عليها من آثار جانبية اخرى على مستوى الاقتصاد الكلى.

 

بالنسبة لنظام النطاق نجد ان من محاسنة يقلل من مساوىء النظامين السابقين الى اقل درجة ممكنه مع إعطاء البنك المركزى مرونة كافية لادارة هوامش الارباح حسب مقتضيات الضرورة ، ومن واقع التجربة العملية نجد ان بنك السودان قد إستخدم نظام القاع للفترة (1994-2000) وفى عام 2001 تم التحول كلياً لنظام النطاق حيث يتم تحديد حدود دنيا وحدود عليا لهوامش المرابحات.

 

ان تكلفة التمويل تعرف بأنها هى ما يتحمله طالب التمويل مقابل الحصول على التمويل من ثمن وعلى هذا يمكن ان تقاس بسعر الفائدة فى الانظمة المصرفية التقليدية ، كما يمكن قياسها بهوامش الارباح ونسب المشاركات .. الخ من تكاليف الصيغ الإسلامية الأخرى.

 

نسبة لعدم توفر بيانات كافية لتكاليف التمويل من الصيغ الإسلامية خلاف المرابحة ستعتمد الدراسة على هوامش أرباح المرابحات الفعلية (متوسط). ومن الجدول رقم (2) ادناه نلاحظ ان الاتجاه العام لهوامش الارباح هو الارتفاع المتتالي خلال الأعوام من 1994 وحتى العام 1997 حيث ارتفعت من 27% بنهاية العام 1994 الى 41% بنهاية العام 1997 بنسبة زيادة قدرها 51,9% بعد العام 1997 أخذت تكلفة التمويل اتجاه الانخفاض حتى بلغت 14% فقط بنهاية العام 2001.

جدول رقم (2)

تكلفة التمويل

هوامش

 أرباح المرابحات

العام

32,9%

1992

27,2%

1993

27%

1994

28%

1995

30%

1996

41%

1997

36,3%

1998

24%

1999

24%

2000

14%

2001

                            المصدر:- التقارير السنوية بنك السودان.

 

للتأكد من اتجاه وقوى العلاقة بين تكلفة التمويل ومعدلات التضخم نجرى اولاً الإرتباط الثنائى بين المتغيرين و الارتباط الجزئى ثم بعد ذلك نجرى تحليل كمى فى شكل نموذج خطى بسيط وسيكون المتغير المستقل هو معدلات التضخم باعتبار انه المؤثر فى تكاليف التمويل اى انها تتأثر بالارتفاع فيه على الرغم من الارتفاع الحالى لمعدلات تكلفة لتمويل تنعكس آثاره لاحقاً فى المستوى العام للاسعار.

لاعتبارات احصائية سنأخذ بيانات المتغيرات عن الفترة (1980 2001) وذلك للايفاء بشروط ومتطلبات التحليل الكمى ، وباجراء تحليل الارتباط الثنائى بين تكلفة التمويل والتضخم نحصل على مصفوفة الارتباط التالية:

مصفوفة الارتباط

Correlation Matrix

 

Inflation rates

Cost of finance

Inflation Rates

Sig (2-tailed)

N

1.00

-

22

0.50

0.02

22

Cost of finance

Sig.(2-tailed)

N

0.50

0.02

22

-

22

نلاحظ ان العلاقة بين المتغيرين علاقة طردية وقوتها متوسطة ومعنوية إحصائيا عند مستوى قبول 5%، وهذا المقياس يعتبر قياس مطلق لاتجاه وقوة العلاقة دون عزل للمؤثرات الأخرى ، ولما لعامل الزمن وسرعة دوران النقود من اثر على كلٍ من تكلفة التمويل ومعدلات التضخم سنعمل على إجراء قياس للارتباط بمعزل لهذين المتغيرين وهو ما يعرف بمعامل الارتباط الجزئى ونجد نتيجة ذلك ما يلى:

 

مصفوفة معاملات الارتباط الجزئية

Partial Correlation Coefficient

Controlling for: Time velocity circulation

 

Inf

CF

Inf

P value

1000

-

0.71

(0.000)

CF

P.value

0.71

(0.000)

1.00

-

عند عزل آثار متغيرى الزمن وسرعة دوران النقود نلاحظ ان قوة الارتباط قد ارتفعت بدلاً عن متوسطه القوة الى قوية (71%) وبمعنوية عالية جداً حسب ما توضح القيمة الاحتمالية للقبول الاحصائى ( P.value).ان مقياس الارتباط كما اسلفنا يشير الى اتجاه العلاقة المطلق دون تحديد لتأثير ايهما على الآخر , فهل التغير فى معدلات تكلفة التمويل يتأثر بالتغير فى معدلات التضخم ام العكس؟للإجابة على هذا التساؤل نجرى إختبار Granger Causality Test على العلاقة بين التضخم وتكلفة التمويل.

Granger Causality Test

Null Hypothesis

OBS

F- stat.

Prob.

INF does not Granger cause cost

21

15.4

0.00

Cost does not Granger cause INF

 

0.21

0.15

كما هو واضح من نتائج الإختبار اعلاه فإننا نرفض فرض العدم ( التضخم لا يؤثر على تكلفة التمويل) بمعنوية عالية جداً كما تشير قيمة F-الإحتمالية (0.001) وهذا يعنى عدم رفض فرض البديل- التضخم يؤثر على تكلفة التمويل.

يتضح من الشكل البيانى ادناه ان العلاقة بين تكلفة التمويل ومعدلات التضخم أقرب للخطية من غيرها

 

 

ولمعرفة الأثر الفعلى للتضخم فى معدلات تكلفة التمويل نجرى تحليل انحدار خطى بسيط للنموذج التالى:

Cost = B0 + B1 Inf + e (1)

حيث Cost = تلكفة التمويل

Inf = معدلات التضخم

e = حد الخطأ

B1 B0 المعالم المراد تقديرها ونتوقع ان تكون B1>0

باستخدام البيانات فى نفس الفترة (19980 2001) نجد نتائج تحليل الانحدار كما هى مبينه فى الجدول التالى:-

 

جدول رقم (3)

Variable

Coefficients

Std.error

T.value

Sign

Constant

14.95

3.03

4.94

0.00

INF

0.12

0.05

2.59

0.02

R                             50%

R square                  25%

Adjusted R square    21%

F- value

6.71

Sign (P-vlaue)

0.02

 

يبين الجدول اعلاه ان التضخم بجانب ثابت النموذج يفسران حوالى 21% من المتغيرات الكلية التى تحدث فى متغير تكلفة التمويل وذلك بمعنوية عالية للقبول الاحصائى الكلى حسب ما تشير اليه قيم F الاحصائية (6.71) والاحتمالية ( 0.02) عند مستوى معنوية 5% أيضاً نلاحظ أن العلاقة بين التضخم ومعدلات تكلفة التمويل علاقة طردية اى أن تكلفة التمويل ترتفع بارتفاع التضخم وذلك بمعنوية عالية جداً على مستوى الاختيار الفردى للمتغيرات المستقلة ، وكما هو ملاحظ فانه وبناء على النتيجة اعلاه فان التضخم لا يعتبر مؤشراً أساسي في تحديد تكلفة التمويل ويمكن أن نعزى ذلك لوجود متغيرات أخري لم يتم تضمينها بالنموذج ومثال ذلك حجم الطلب الكلى على التمويل وحجم الموارد المتاحة للتسليف و حجم التمويل المتعثر واوزان مخاطر المشروع الذى يتم تمويلة بالإضافة الى التمويل بالصيغ الاخرى.

 

وعليه فان على واضعى السياسات الاقتصادية الكلية الأخذ فى الاعتبار العوامل التى تؤثر على تكلفة التمويل بجانب التضخم وذلك عندما تتطلب السياسات إعادة النظر فى معدلات تكلفة التمويل اى ان الأمر لا يحتمل ان تربط تكلفة التمويل ربطاً مباشراً بمعدلات التضخم فترفع معدلاتها عند ارتفاع معدلات التضخم وتخفض عن انخفاض معدلات التضخم

 

أن استجابة التضخم للتغيرات التى تحدث فى تكلفة التمويل تتم بصورة اقل بطئاً عن استجابة تكلفة التمويل للتغيرات التى تتم فى معدلات التضخم وذلك يمكن ان نوضحه بالأشكال البيانية التالية: