المحتويات


 

 

رؤية نقدية لنظرية المدخل النقدى لميزان المدفوعات

د. حامد بشير باشري        

 

 مقدمة:-

يعتبر المدخل النقدى لميزان المدفوعات (Monetary Approach to the Balance of Payments) احد الثلاثة مداخل المتعلقة بنظرية تسوية ميزان الدفوعات. يرتبط المدخل الثانى بمدخل المرونة (Elasticity Approach)، بينما يرتبط الاخير بمفهوم الانفاق (Absorption Approach). هذه المداخل الثلاثة تطرح الاطر النظرية المختلفة للمشاكل المتعلقة بتسوية ميزان المدفوعات، فهى من ناحية تطرح المفاهيم المختلفة لهذه النظريات ومن الناحية الاخرى تقدم وتقترح الحلول لمشاكلها من منطلق مفاهيم تلك النظريات.

          فى هذا المقال سوف نتعرض الى ثلاثة محاور تتعلق بمفهوم المدخل النقدى لميزان المدفوعات. فالمحور الاول يختص بالجانب النظرى للمدخل ، أما المحور الثانى فهو يتناول النظرة النقدية للمدخل النقدى للميزان. واخيراً يتعرض المحور الثالث والاخير الى مدى امكانية تطابق ومواءمة هذا المدخل مع مشاكل ميزان المدفوعات السودانى.

 

الجانب النظرى للمدخل النقدي لميزان الدفوعات:-

 

          يتعلق المدخل النقدى لمفهوم ميزان المدفوعات بناحية الميزان الكلى ( الحساب الجارى وحساب رأس المال) والذى يعنى ان عدم التوازن فى ميزان المدفوعات يساوى التغير فى مستوى الاحتياطيات العالمية. وفى هذا الاطار فان هذا المفهوم يوضح ان الاختلال فى ميزان المدفوعات يأتى نتيجة لعدم التوازن بين العرض والطلب فى كمية النقود وبأن المشاكل المتعلقة بميزان المدفوعات تعتبر ظواهر نقدية وبالتالى فان التصحيح يجب ان يتم عن طريق التسويات النقدية. اضف الى ذلك، فان السياسات المتعلقة بتسوية مشاكل ميزان المدفوعات من الممكن انجاحها عن طريق ازالة الاختلال بين العرض والطلب فى كمية النقود.

لقد وضع هاهن (Hahn 1977) نموذج للمدخل النقدى لميزان المدفوعات وذلك بعد مراجعته وتطويره لنموذج " فرنكل وجونسون"  (Frenkel & Johnson 1976). هذا وترتكز اهم إفتراضات هذا النموذج فى الآتى:

-  ثبات اسعار الصرف فى الاقتصاد.

-   التوازن فى العمالة المتاحة فى الاقتصاد لفترة طويلة.

-   التغير فى عرض النقود لا يؤثر على المتغيرات الحقيقية فى الاقتصاد.

-   تقارب مستوى الاسعار وسعر الفائدة المحلية مع المستوى العالمى فى المدى البعيد نسبة للاستعاضة الكبيرة فى المرونة بين البضائع فى حركة التجارة العالمية والتحركات الكبيرة فى رؤوس الاموال العالمية.

-                     واخيراً فان التغيرات فى عرض النقود تأتى نتيجة للتغيرات فى مستوى الاحتياطى النقدى الاجنبى والذى لم يصاحبه اى تحييد (Sterilization) من قبل السلطات النقدية.

المعادلة التالية تعكس الطلب المتوقع على البضائع ( ex-ante) كما وضحها " ثيروول" (1982 Thirwal):

 

        (1)<--------           Xg = A -Y + B

                       

          اما تفسير رموزها كالآتى :-A تمثل مجمل الانفاق فى الاقتصاد، Y الدخل و B ميزان المدفوعات  وبالنظر الى قانون " والارس  " (Walars law) والذى يفترض ان الاصول فى الاقتصاد هى فقط النقود وباعتبار ان الطلب المتزايد على النقود ( يرمز اليه ب Xm) والمصحوب بفائض فى ميزان المدفوعات سوف يؤدى الى زيادة عرض النقود عن طريق تراكم الاحتياطى النقدى الاجنبى وذلك بافتراض ان التأثير على زيادة الاحتياطى النقدى فى عرض النقود المحلى غير محايد من قبل السلطات النقدية وذلك لعدم استعمال عمليات السوق المفتوح وبيع السندات الحكومية وهذا ما جاء فى فرضية " فرانكل وجونسون" والمشار اليها سابقاً . هذه الافتراضات تقودنا الى المعادلة التالية:- .

      (2) <--------          Xg B +Xm = 0

                                                                  

وبأفتراض ان Xg   ( الطلب على البضائع) يساوى صفر فان B سوف تساوى Xm  ، والذى يعنى ان فائض ميزان المدفوعات يدل على الطلب المتزايد على النقود  وفى نفس الوقت فان العجز فى ميزان المدفوعات يدل على العرض المتزايد للنقود والذى بدوره يؤكد اشتراط التوازن والقاضى بأن الزيادة فى الطلب ( او العرض) للنقود هو نتيجة للفرق بين الطلب ( بافتراض استقرار دالة الدخل) والعرض للنقود المحلية.

هذا التعريف للطلب والعرض للنقود فى شكل مخزون ( Stock ) يمكن توضيحه فى المعادلة التالية:-

 

(3)<--------          Xm = K (y) M

 

فالرمزان xm    و y  كما هما فى المعادلتين (1) و (2) . الرمز M    يوضح مكون عرض النقود والمحدد داخلياً من قبل السلطات النقدية. ان هذه المعادلة تقودنا مرة اخرى الى الافتراض السابق والذى يفترض عدم التحييد (no sterilization) من قبل السلطات النقدية عن طريق عمليات السوق المفتوح . ففى هذه الحالة فان عرض النقود سوف يزيد وبالتالى فان الطلب المتزايد للنقود سيقل وعليه فان الفائض فى ميزان المدفوعات سوف يصبح صفراً . اضافة الى ذلك فان الزيادة فى عرض النقود والمصاحب للعجز فى ميزان المدفوعات سوف يؤدى الى الانخفاض فى مستوى عرض النقود والى الانخفاض فى مستوى الاحتياطى العالمى نتيجة للعجز فى ميزان المدفوعات اضافة للتدفقات الخارجية للاحتياطيات الاجنبية . عليه ، فان التغيرات فى الاحتياطيات النقدية اذا لم يصاحبها التحييد من قبل السلطات النقدية قد يعكس ظاهرة مؤقته فى اختلال المخزون فى سوق النقد ( العرض والطلب) والذى  يمكن تصحيحه ذاتياً بالتوابع النقدية، جونسون (Johnson 1972). هنا نلاحظ ان "جونسون " افترض ان التدفقات النقدية والمرتبطة بالفائض او العجز غير المحايد من قبل السلطات النقدية لها تأثيراتها الواضحة على عرض النقود المحلى فى فترة معينة.

         

 هذا وفى اطار المدخل النقدى ، فان مستوى الاحتياطيات يعتبر المتغير الوحيد والذى يمكن التأثير عليه عن طريق الزيادة فى عرض النقود وذلك بافتراض التوازن فى سوق البضائع فى المدى البعيد اضافة الى اعتبار ان سعر الفائدة معروف وبان الاستقرار فى الطلب على النقود معلوم.

 

بالنظر الى توسيع النموذج الى اكثر من بند واحد للاصول ( النقود) كما سبق ان اشرنا اليه فى المعادلة (2) ، وبتطوير هذه المعادلة وذلك باضافة الطلب على السندات (Xb) نصل الى المعادلة التالية :-

 

   (4) <--------    O=  Xg B + Xm + Xb  

 

وبافتراض  ان O = XmXg  فان Xb = B والذى يعنى  ان الفائض فى ميزان المدفوعات يؤدى الى زيادة الطلب على السندات وبأن العجز فى ميزان الدفوعات يؤدى الى زيادة العرض فى السندات. وفى هذه الحالة فان الفائض يتطلب خروج رؤوس الاموال (Capital outflows) وبالتالى عدم الحوجة الى تخفيض مستوى الاحتياطيات العالمية. هذا وفى كلتا الحالتين فان التسويات القائمة لا تتطلب اى تغيرات فى الارصدة النقدية.

 

المعادلة (2) توضح ايضاً ان الاختلال فى ميزان المدفوعات قد يعكس عدم التوازن فى سوق رأس المال والذى يتوافق كلياً مع التوازن فى سوق النقود وذلك فى حالة التوقع (ex-ante). هذه المعادلة توضح لنا كذلك ان بيع السندات لربما يؤدى الى العجز فى ميزان الدفوعات ( زيادة العرض فى السندات) والذى يمكن تمويله عن طريق تدفقات رأس المال ( الى الداخل) نسبة لارتفاع سعر الفائدة المتوقع.

 

اذا نظرنا الى  بعض افتراضات المدخل النقدى نجد ان الا فتراض الاساسى لهذه النظرية يرتكز على فرضية استقرار الطلب على النقود . هذه الفرضية تجعل من الصعب التنبؤ بشأن ميزان المدفوعات من منطلق احادى الا وهو التغيرات فى عرض النقود. فالزيادة فى عرض النقود لربما تؤدى الى الزيادة فى الطلب على النقود خاصة فى جانب العملات الاجنبية ( فى حالة انخفاض مستوى الاحتياطيات الاجنبية) ، اما الانخفاض فى عرض النقود فقد يؤدى الى عدم امكانية تخزين النقود. اضف الى ذلك ، فقد اثبتت التجارب العملية ان هنالك عدم استقرار فى دالة الطلب على النقود والمكونات العامة لدالة الطلب الكلى ولذلك من الصعب تمييز او تفضيل السياسة النقدية على السياسة المالية ، ومن هنا تبرز الحوجة الى التنسيق بين السياستين النقدية والمالية لانجاح سياسات الاقتصاد الكلى.

 

هذا الحديث يقودنا ايضاً الى ان قواعد عرض النقود (السياسة النقدية) وتحت الاوضاع المختلفة سوف تقود حتماً الى متغيرات كبيرة وغير متوقعة فى امتلاك الافراد للنقود وبالتالى يقود ذلك تباعاً الى متغيرات كبيرة وغير متوقعة فى نفقات الافراد.

 

 الرؤية النقدية لنظرية المدخل النقدى لميزان الدفوعات:-

 

لقد واجه المدخل النقدى لميزان المدفوعات عدة انتقادات وذلك لتركيزه على منهجية تحليل ظاهرة مشاكل وحلول ميزان المدفوعات عن طريق استخدام ادوات النظرية النقدية وبالتالى فان هذه المنهجية قد يعيبها بعض القصور فى التركيز بدرجة كبيرة على هذا النوع من التحليل. ان جوهر الاختلاف بين مفهوم المدخل النقدى ومفاهيم ما بعد المدرسة " الكينزية" يظهر لنا فى ان المدخل النقدى يصيغ مشاكل المدفوعات فى ظواهرها النقدية كما تم ذكره من قبل بينما ترى المدارس الاخرى ( المفاهيم الاخرى لمدخل ميزان المدفوعات) بانها تصيغ الاسباب على إنها اختلافات متبقية بين التدفقات الحقيقية التى تعتمد على التدفقات الاخرى  -  ومعدل الاسعار الحقيقية.

 

الملاحظات التالية نطرح فيها اهم الانتقادات الموجهة للمدخل النقدى:-

 

(1)               بالنظر الى المعادلات الاولية والتى تشكل الاساس للمدخل النقدى ، يتضح لنا جلياً ان الاختلال فى ميزان الدفوعات لا يمكن تفسيرة، لوحده كظاهرة نقدية وسببيه تتعلق بشكلية الموازنة بين  الفائض فى العرض والطلب على النقود فى السوق. ففى رأئى قد يكون هنالك احتمالاً للتوازن بين الانفاق والدخل المتوقع (ex-ante) وفى نفس الوقت يمكن ان يكون هنالك عجزاً فى ميزان المدفوعات لسبب واحد او اكثر ؛  وكواحدة من هذه الاسباب تتمثل فى ان المنتجين المحليين لا يمكنهم بيع إنتاجهم المتبقى للخارج ( الصادرات) نتيجة لوجود التزام يقتضى فيه مقابلة جميع  طلبات المشترين المحليين. هذا الافتراض يمكن اثباته وذلك بالنظر الى المعادلة التالية والمشتقة من المعادلة (1)

 

(5)<--------     Xg B = A Y = o

 

فى حالة O > B  والذى يعنى ان ميزان المدفوعات فى حالة عجز وبالتالى فان الاختلال يتوافق مع التوازن المتوقع (ex-ante) فى سوق النقود.

 

(2)               اذا كان الافتراض الاساسى للمدخل النقدى يعكس استقرار الطلب على النقود فان هذا يعنى عدم امكانية التنبؤ بالعجز او الفائض فى ميزان المدفوعات وذلك من ناحية التغيرات فى عرض النقود. اما فى الجانب العملى فى المدى البعيد والمرتبط بالسياسات والتحليل نجد ان مستوى الدخل و اسعار الفائدة تتغير بصورة واضحة مع كمية النقود وبالتالى نجد ان من الصعب ايضا التنبؤ بالتحركات فى ميزان الدفوعات من ناحية تأثير التغيرات فى عرض النقود. اضف الى ذلك ، فقد لا توجد علاقة قوية بين التغيرات فى عرض  النقود المحلى ومستوى الاحتياطيات الاجنبية.

 

(3) بما ان الزيادة فى صفقات الطلب على النقود ( فرضية " كينز" الاولى) لا تعنى بأى حال من الاحوال احتجاز النقود من الانفاق ، فان اى زيادة فى الطلب على النقود من اجل الصفقات قد لا تؤدى الى الفائض فى ميزان المدفوعات . هذا وفى نفس الوقت فان انخفاض الطلب على النقود من اجل الصفقات قد لا يقود ايضاً الى العجز فى ميزان المدفوعات نتيجة لعدم انفاق النقود فى الصفقات. وكما اشار الى ذلك " تسيانج" ( Tsiang 1977) فان الطلب على النقود والمتمثل فى الاصول هو وحده الذى يجب ان يكون ضمنياً كدالة للنقود وذلك لان التباين فى هذه الاصول يمكن ان تؤثر لوحدها على الانفاق فى البضائع.

 

(4)                هنالك بعض علامات الاستفهام الهامه فى ما يخص الافتراض الاساسى للمدخل النقدى والذى يشير الى عدم امكانية التحييد ( من قبل السلطات النقدية) وذلك فى حالة تأثير التغيرات فى الاحتياطيات العالمية على عرض النقود المحلى . عليه، فان هذا الافتراض يعنى ان العجز فى ميزان المدفوعات يعكس الاطوار المتعددة التى تحصل فى اختلال المخزون من النقود والذى يمكن ان يصحح ذاتياً ( التوازن بين العرض والطلب). هذا من جانب ومن جانب اخر ، فان هذا الافتراض قد لا يكون صحيحاً وذلك فى حالة سماح  السلطات النقدية ببيع وشراء السندات الحكومية فى عمليات السوق المفتوح و الذى يؤدى الى تحييد تأثير الاحتياطيات العالمية على عرض النقود المحلى وبالتالى يمكن معالجة العجز فى ميزان المدفوعات والناتج من الزيادة فى عرض النقود، عن طريق النزول بالاحيتاطيات او عن طريق تخفيض عرض النقود . هذا فمن الممكن ايضاً ان تنخفض الاحتياطيات وتبقى الزيادة فى عرض النقود كما هى عليها.

 

(5)               اخيراً قد تكون هنالك فائدة من المدخل النقدى لميزان المدفوعات وذلك فى حالة التأكد من ان الاختلال فى ميزان المدفوعات له نتائجه النقدية ، ولكن فى نفس الوقت فقد يقودنا ذلك الى فهم خاطىء فى مسألة معرفة الاسباب الحقيقية لمشاكل ميزان المدفوعات.

 

مدى امكانية تطبيق المدخل النقدى لمشاكل ميزان المدفوعات السودانى:-

 

تتميز مشاكل ميزان المدفوعات السودانى - كسائر معظم مشاكل موازين مدفوعات الدول النامية فى كونها مشاكل ذات طابع هيكلى ترتبط بالاقتصاد الكلى اكثر من كونها مرتبطة فقط بظاهرة محددة لاحدى مكونات الاقتصاد الكلى. ولذلك فان الاختلال المتواصل فى ميزان المدفوعات السودانى لا يمكن تفسيره فقط من ناحية التأثير فى عدم التوازن بين العرض والطلب فى سوق النقود. قد يقودنا هذا المفهوم الى ان المشاكل فى ميزان المدفوعات السودانى هى فى الاصل ناتجة من الاختلال النقدى وبالتالى فان مجمل التصحيح يقع على عاتق الجانب النقدى كشرط ملازم للتوازن الداخلى والخارجى للاقتصاد السودانى. التركيز على هذا النوع من المفاهيم قد يعطى بعداً غير صحيحاً وبالتالى عدم امكانية الوصول الى حل متكامل للمشكلة الاساسية لميزان المدفوعات السودانى. صحيح ان هنالك حلولاً مختلفة ( من ضمنها الحلول النقدية) لمعالجة الاختلالات فى موازين المدفوعات لكثير من البلدان وذلك من خلال وصفات معينة . فهنالك الدول التى ترى ان مشاكل ميزان مدفوعاتها هى فى الاساس دالة عكسية للتحركات فى الاسعار النسبية والتى يمكن حلها عن طريق التسويات فى اسعار الصرف، وبعض الدول ترى ان التوازن فى ميزان المدفوعات يمكن ان يأتى عن طريق ارتفاع وتيرات معدلات النمو فى الدخل القومى ( بعوامله المختلفة) وبالتالى فان اى محاولة لتخفيض او اى تآكل (Depreciation) متواصل للعملة قد لا يساهم فى حل المشكلة برمتها.

 

ان البعد النظرى للمدخل النقدى ومحاولة طرحه كحل  اساسى لمشكلة الاختلالات فى ميزان المدفوعات السودانى قد لا يعكس الاسباب الاخرى والرئيسية التى تساهم فى هذه الاختلالات المتواصلة للميزان. هذا ونجد ان الافتراضات المطروحة فى نموذج " هاهن" السالف الذكر قد لا تستوعبها قوالب نموذج ميزان المدفوعات السودانى.

 

فاذا نظرنا الى الفرضية الثانية والمتعلقة بالتوازن فى العمالة التامة فى الاقتصاد فاننا نجد ان تركيبة ودنيامكية الاقتصاد السودانى ليست قى مقدورها الاستيعاب التام للعمالة وذلك لظروف البنيات التحتية الضعيفة والتى هى الاساس فى تطوير العملية الانتاجية برمتها. اما الفرضية المتعلقة بتقارب مستوى الاسعار وسعر الفائدة المحلية ( هنا نسميها بمتوسط هوامش الارباح) مع المستوى العالمى فى المدى الطويل ، قد لا تكون هذه الفرضية تتطابق مع واقع لحال فى اقتصادنا نسبة لأن سعر الفائدة يمثل عاملاً هاماً فى مسألة التأثير على سعر الصرف ومستوى الاحتياطيات النقدية لاقتصاديات الدول الرأسمالية مقارنة باقتصادنا مع ملاحظة محدودية التحركات الكبيرة فى رؤوس الاموال الاجنبية ومحدودية سوق النقد الاجنبى داخل السودان والتى لها تأثيراتها السالبة فى توازن ميزان مدفوعاتنا.

 

ان الرؤية النظرية للمدخل النقدى ومحاولة طرحها لحل مشكلة الاختلالات فى ميزان المدفوعات السودانى قد لا تعكس ايضاً الاسباب الاخرى الرئيسية التى تساهم فى هذا التفاقم المتواصل للميزان وبالتالى فان الطرح النظرى لهذه الرؤية قد لا ينجح فى حل هذه المشكلة من جذورها . عليه فاننا نطرح رؤيتنا حول ميزان المدفوعات السودانى فى الآتى:-

 

1) ان تكون نظرتنا الى ميزان الدفوعات فى جانب الحساب الجارى وذلك لان الحساب الجارى يعكس امكانية الاقتصاد السودانى من خلال قسمة الدخل القومى ( الاستثمار والاستهلاك) لانجاح التوازن فى ميزان المدفوعات عن طريق نمو الصادرات بوتيرة اسرع من نمو الواردات. إ ضافة لذلك فان عوامل بنود حساب رأس المال المؤثرة على ميزان المدفوعات السودانى تعتبر معظمها خارجية (Exogenous factors) مما يعنى التأثير السلبى على الميزان، كما ان الاعتماد على حساب رأس المال فى توازن الميزان قد تكون له تبعاته المستقبلية والمتمثلة فى عدم التوازن فى هذا الحساب نفسه والناتج من النمو المتواصل لحجم الدين الخارجى وما يشكل ذلك من التزامات لمقابلة هذه الديون من دفعيات فى حساب رأس المال وحساب الخدمات ( خدمة الدين).

 

2)              خصوصية مشاكل ميزان المدفوعات السودانى كسائر الدول النامية - والتى تختلف  عن الدول المتقدمة فى ان المشاكل الهيكلية للاقتصاد السودانى تفرض عليه اتخاذ سياسات اقتصادية حقيقية ذات طابع هيكلى وبالتالى الحوجة الى هذا النوع من الحلول لمشاكل ميزان المدفوعات والمتمثلة فى التنويع المتعدد للصادرات ( تغيير نوع الصادرات من مواد خام الى صادرات صناعية والذى يتطلب تطوير البنيات الانتاجية ...الخ) وربطها بالنوعية وامكانية ايجاد الاسواق لها. عليه ومن هذا المنطلق فان اى حلول قد توضع لاقتصاديات الدول المتقدمة قد لا تكون تلقائياً" وصفات جاهز" لاقتصاديات الدول النامية خاصة فى ما يخص مسألة التسويات فى اسعار الصرف وذلك للتباين الواضح فى تركيبة الصادرات.

 

3)              بصفة عامة، فان رأينا فى السياسات المتعلقة بتسويات ميزان المدفوعات عن  طريق اسعار الصرف لا يمكن ان يكتب لها النجاح التام فى تحسين التوازن الا اذا كان هنالك قدراً معقولاً لهذه السياسات فى توازن سوق النقود. وعليه فان سياسات الاسعار فى التخفيض والانفاق يمكن ان تصحح العجز وذلك فى حالة تقليل او ارتفاع الطلب مقارنة بعرض النقود. علاوة على ذلك،  فان نجاحات سياسات تغيير اتجاه الانفاق ( التخفيض كمثال لذلك) تشكل فى حد ذاتها مسكنات وقتيه وليست دائمة وذلك للآتى:-

 

أ‌)   التخفيض لا يغير الاسعار بالنسبة لسلع الصادر (Traded goods ) وذلك لان الاسعار المحلية سوف ترتفع بقدر مستوى التخفيض. اضف الى ذلك ، فان خاصية سلع صادرات الدول النامية تعتمد فى الاساس على استيراد مدخلات الانتاج والتى ترتفع اسعارها بمستوى التخفيض.

 

ب‌)   التخفيض ايضاً لا يؤثر فى الاسعار النسبية والمقيمة بالعملة المشتركة فى المعاملات الدولية ( مثلاً الدولار الامريكى) وذلك للبدائل المرتفعة بين الصادرات، كما ان الدول جميعها تحدد مستوى اسعارها متأثرة بمستوى الاسعار العالمية.

 

ج)   انطلاقاً من مفهوم المدخل النقدى المحلى ( عكس مفهوم المدخل النقدى العالمى) لميزان المدفوعات فان التخفيض لا يحسن من وضع ميزان المدفوعات بطريقة مستدامة وذلك لان اى زيادة فى الطلب على النقود والناتج من التخفيض سوف يتوافق مع الزيادة المتساوية فى عرض النقود عن طريق التراكم فى الاحتياطيات وبالتالى فان الاسعار سوف تزداد مقارنة بالزيادة فى مخزون النقود تاركين بذلك ميزان المدفوعات كما هو عليه الحال بدون تغيير.

 

ا لخاتمـــــــة:-

 

لقد كان الحديث عن اهم ملامح نظرية المدخل النقدى لميزان المدفوعات والتى ارتبطت بمسألة تسويات الميزان عن طريق مفهوم  الظواهر النقدية. هذا وقد تعرضنا ايضاً للنموذج المتعلق بهذه النظرية وعن رؤيتنا للجانب النقدى لهذه النظرية وعن مدى مواءمتها لواقع ميزان المدفوعات السودانى. هنالك سؤال هام يطرح نفسه من خلال طرحنا لمفهوم هذه النظرية والذى يتمثل فى الرؤى المختلفة لميزان المدفوعات وذلك فى ضوء او من خلال هذه النظرية ; هل ستختلف رؤيتنا الكلية  المتعلقة بالميزان فى ظل هذه الاطروحات ؟! الاجابة بالطبع سوف ترتبط بالشكوك المختلفة تجاه الميزان خاصة فى ما يتعلق بمسببات العجز الخاصة بميزان المدفوعات. فاذا كان العجز فى الاساس ناتج للظواهر النقدية فقد لا يكون ذلك سبباً قوياً للعلاقة بين التغيرات فى الاحتياطيات والتغيرات فى عرض النقود لان التغيرات فى عرض النقود لا تضمن ازالة الاختلال فى سوق النقود خاصة فى حالة عدم استقرار الطلب على النقود.

          صحيح ان نظرية المدخل النقدى تعطى اشارات للسلطات النقدية للاستفادة منها فى كبح الفائض الناتج من التمدد النقدى وما له من تبعات فى الاقتصاد ، ولكن مثل هذه الظواهر معروفة ومعلومة للسلطات النقدية ولا تحتاج لنظرية جديدة ليتم عن طريقها فهم هذا المدخل.

 

المراجع:-

 

1/ Frenkel, J.A. & Johnson, H.G., The Monetary Approach to the Balance of payments, London, 1976

2/ Hahn, F., Money & Inflation, Southampton, 1982.

3/ Hahn, F.1 The monetary Approach to the Balance of Payments,

                         Journal of International Economics. August 1977.

4/ Third wall, A.P. Balance of Payments Theory, Bristol 1982.

5/ Tsiang, S.G., The Monetary Theoretic Foundation of the Modern Monetary Approach to the Balance of Payments. Oxford Economic paper, November 1977.